عبد الرحمن السهيلي

148

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

بمعنى واحد ، فدل على أن أهل اللغة لم يحققوا العبارة ، وذلك أن القراء لم يختلفوا في العلاوة من قوله : « سُبْحانَ الذي أسْرَى بِعَبْدِهِ » ولم يقل : سرى ، وقال : والليل إذا يسر ، ولم يقل : يسري ، فدل على أن السرى من سريت إذا سرت ليلاً ، وهي مؤنثة تقول : طالت سراك الليلة ، والإسراء متعد في المعنى ، ولكن حذف مفعوله كثيراً حتى ظن أهل اللغة أنهما بمعنى واحد ، لما رأوهما غير متعديين إلى مفعول في اللفظ ، وإنما أسرى بعبده ، أي : جعل البراق يسري ، كما تقول : أمضيته ، أي : جعلته يمضي ، لكن كثر حذف المفعول لقوة الدلالة عليه ، أو للاستغناء عن ذكره ، إذ المقصود بالخبر ذكر محمد ، لا ذكر الدابة التي سارت به ، وجاز في قصة لوط عليه السلام . أن يقال له : فأسر بأهلك : أي فاسر بهم ، وأن يقرأ فأسر بأهلك بالقطع ، أي : فأسر بهم ما يتحملون عليه من دابة أو نحوها ، ولم يتصور ذلك في السرى بالنبي صلى الله عليه وسلم ، إذ لا يجوز أن يقال سرى بعبده بوجه من الوجوه ؛ فلذلك لم تأت التلاوة إلا بوجه واحد في هذه القصة فتدبره . وكذلك تسامح النحويون أيضاً في الباء والهمزة ، وجعلوهما بمعنى واحد في حكم التعدية ، ولو كان ما قالوه أصلاً لجاز في : أمرضته أن تقول : مرضت به ، وفي أسقمته : أن تقول : سقمت به ، وفي أعميته أن تقول : عميت به قياساً علي : أذهبته وأذهبت به ، ويأبى الله ذلك والعالمون ؛ فإنما الباء تعطي مع التعدية طرفاً من المشاركة في الفعل ولا تعطيه الهمزة ، فإذا قلت : أقعدته ، فمعناه : جعلته يقعد ، ولكنك شاركته في القعود ، فجذبته بيدك إلى الأرض ، أو نحو ذلك ، فلا بد من طرف من المشاركة إذا قعدت به ، ودخلت به ، وذهبت به بخلاف أدخلته وأذهبته . فإن قلت : فقد قال الله سبحانه : « ذهب اللّه بنورهم وذهب بسمعهم وأبصارهم » ويتعالى سبحانه عن أن يوصف بالذهاب ، ويضاف إليه طرف منه ، وإنما معناه : أذهب نورهم وسمعهم . قلنا : في الجواب عن هذا : أن النور والسمع والبصر كان بيده سبحانه ، وقد قال : بيده الخير ، وهذا من الخير الذي بيده ، وإذا كان بيده ، فجائز أن يقال ذهب به على المعنى الذي يقتضيه قوله سبحانه بيده الخير كائناً ما كان ذلك المعنى ، فعليه ينبني ذلك المعنى الآخر الذي في قوله : « ذهب اللّه بنورهم » مجازاً كان أو حقيقةً ، ألا ترى أنه لما ذكر الرجس كيف قال : « ليْذْهِبَ عنكم الرِّجْسَ » الأحزاب . ولم يقل يذهب به ، وكذلك قال : « ويُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَان » الأنفال تعليماً لعباده حسن الأدب معه ، حتى لا يضاف إلى القدوس سبحانه لفظاً ومعنىً شيء من الأرجاس ، وإن كانت خلقاً له وملكاً فلا يقال : هي بيده على الخصوص ، تحسيناً للعبارة وتنزيهاً له ، وفي مثل النور والسمع والبصر يحسن أن يقال : هي بيده ، فحسن على هذا أن يقال : ذهب به ، وأما أسرى بعبده ، فإن دخول الباء فيه ليس من هذا القبيل ، فإنه فعل يتعدى إلى مفعول ، وذلك المفعول المسرى هو الذي سرى بالعبد فشاركه بالسرى ، كما قدمنا في قعدت به أنه يعطى المشاركة في الفعل ، أو في طرف منه ، فتأمله . أكان الإسراء يقظة أم مناماً : فصل : وتقدم بين يدي الكلام في هذا الباب : هل كان الإسراء في يقظة بجسده ، أو كان في نومه بروحه ، كما قال سبحانه : « اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حين مَوْتها والتي لم تَمُتْ في مَنَامِها » الزمر وقد ذكر ابن إسحاق عن عائشة ومعاوية أنها كانت رؤيا حق ، وأن عائشة قالت : لم تفقد بدنه ، وإنما عرج بروحه تلك الليلة ، ويحتج قائل هذا القول بقوله سبحانه : « وما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا التي أرْينَاكَ إلاَّ فِتْنَةً للناس » الإسراء . ولم يقل : الرؤية ، وإنما يسمى رؤيا ما كان في النوم في عرف اللغة ، ويحتجون أيضاً بحديث البخاري عن أنس بن مالك